ملا حبيب الله الشريف الكاشاني

73

منتقد المنافع في شرح المختصر النافع

لجماله ، وهم الأنبياء المعصومون ، وخلفاؤهم الراشدون ، والنقباء المهديّون ، والعلماء الربّانيّون ، وحيث عرفناه كذلك عبدناه لذلك ، فنستغني عن عبادة غيره بعبادته ، وعن التوجّه إلى ما سواه بالتذلّل لحضرته . وحينئذ - أي حيث عبدناه كذلك - تتّضح لنا المسالك ، ويحصل لنا النجاة عن المهالك ، فنفوز بالسعادات التي أعدّها للعابدين ، ونستفيض بالفيوضات التي خلق لإفاضتها الخلق كلّهم أجمعين . فأصل الإبداع - أي الغرض الأصلي منه - الدين ، وأصل الدين معرفة ربّ العالمين ، وأصل المعرفة - أي المقصود الكلّي منها - أن نعبده مخلصين له الدين ولذا جعل العبادة غاية للخلقة ، فقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » . وعلى هذا فالفريضة الأوّليّة التي فرضها اللّه عزّ وجلّ هي معرفته ، فهي أصل الدين ، والفريضة الثانويّة هي عبادته ، فهي فرع الدين ؛ نظرا إلى ترتّب العبادة على المعرفة ، واشتراطها فيها . وحينئذ فأشرف العلوم بالشرافة الأصليّة العلم المكتسب منه المعارف الربّانيّة ، وأشرفها بالشرافة الفرعيّة العلم المتحصّل منه الآداب العمليّة . ولا ريب أنّ المتكفّل للأوّل هو علم الكلام ، ولسنا بصدده الآن في هذا المقام ، وقد صنّفت في المهمّ منه رسائل كثيرة في سوالف الأيّام ، ولكنّما نقصد في هذا التأليف بيان العلم المتكفّل للأمر الثاني ، نعني به علم الفقه ، المعرّف بالعلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة المقرّرة في علم أصول الفقه ، والكلام على الطرد والعكس وغيرهما تطويل بلا طائل ، وإن جرت عادة الأصحاب على التعرّض له في هذا المقام . فعلم الفقه أشرف العلوم بعد علم أصول الدين ، ولذا بذل العلماء - شكر اللّه سعيهم - جهدهم عالما بعد عالم وفاضلا بعد فاضل في تصنيف الكتب الفقهيّة ، وقيّدوا فيها بحسب أفهامهم التحقيقات الأنيقة . وهم بين من بسط وفصّل ، ومن اختصر وأجمل ، شكر اللّه

--> ( 1 ) الذاريات ( 51 ) : 56 .